محمد بن جرير الطبري
80
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر يا محمد تمادي هؤلاء المشركين في غيهم وارتدادهم عتوا على ربهم بتخويفه إياهم تحقيقهم قول عدوهم وعدو والدهم ، حين أمره ربه بالسجود له فعصاه وأبى السجود له ، حسدا واستكبارا لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا وكيف صدقوا ظنه فيهم ، وخالفوا أمر ربهم وطاعته ، واتبعوا أمر عدوهم وعدو والدهم . ويعني بقوله وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ واذكر إذ قلنا للملائكة اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ فإنه استكبر وقال أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً يقول : لمن خلقته من طين ؛ فلما حذفت " من " تعلق به قوله خَلَقْتَ فنصب ، يفتخر عليه الجاهل بأنه خلق من نار ، وخلق آدم من طين . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : بعث رب العزة تبارك وتعالى إبليس ، فأخذ من أديم الأرض ، من عذبها وملحها ، فخلق منه آدم ، فكل شيء خلق من عذبها فهو صائر إلى السعادة وإن كان ابن كافرين ، وكل شيء خلقه من ملحها فهو صائر إلى الشقاوة وإن كان ابن نبيين ؛ ومن ثم قال إبليس أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً أي هذه الطينة أنا جئت بها ، ومن ثم سمي آدم . لأنه خلق من أديم الأرض . وقوله : أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ يقول تعالى ذكره : أرأيت هذا الذي كرمته علي ، فأمرتني بالسجود له ، ويعني بذلك آدم لَئِنْ أَخَّرْتَنِ أقسم عدو الله ، فقال لربه : لئن أخرت إهلاكي إلى يوم القيامة لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا يقول : لأستولين عليهم ، ولأستأصلنهم ، ولأستميلنهم . يقال منه : احتنك فلان ما عند فلان من مال أو علم أو غير ذلك ، ومنه قول الشاعر : نشكو إليك سنة قد أجحفت * جهدا إلى جهد بنا فأضعفت واحتنكت أموالنا وجلفت وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تبارك وتعالى لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا قال : لأحتوينهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي عن ابن عباس ، قوله لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا يقول : لأستولين . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا قال : لأضلنهم . وهذه الألفاظ وإن اختلفت فإنها متقاربات المعنى ، لأن الاستيلاء والاحتواء بمعنى واحد ، وإذا استولى عليهم فقد أضلهم . القول في تأويل قوله تعالى قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً يقول تعالى ذكره قال الله لإبليس إذ قال له لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا اذهب فقد أخرتك ، فمن تبعك منهم ، يعني من ذرية آدم عليه السلام فأطاعك ، فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم ، يقول : ثوابك على دعائك إياهم على معصيتي ، وثوابهم على اتباعهم إياك وخلافهم أمري جَزاءً مَوْفُوراً يقول : ثوابا مكثورا مكملا . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً عذاب جهنم جزاؤهم ، ونقمة من الله من أعدائه فلا يعدل عنهم من عذابها شيء . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً قال : وافرا . حدثني محمد بن